السيد عبد الأعلى السبزواري
265
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
و ( كلما ) في قوله تعالى : كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ منصوب ب ( وجد ) ، أي وجد كلّ دخلة ، ونصب المحراب على التوسع ، إذ حقّ الفعل أن يتعدّى ب ( في ) ، أو ( إلى ) وإظهار الفاعل . و ( هنا لك ) في قوله تعالى : هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا منصوب على الظرفيّة ، لأنه ظرف يستعمل للزمان والمكان ، وإن كان أصله للمكان ، وقد تجر بمن وإلى . وقوله تعالى : وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ ، وهو قائم مبتدأ وخبر ، والجملة حاليّة من مفعول النداء . و ( يصلي ) حال من الضمير في ( قائم ) ، والظرف ( في المحراب ) متعلّق إما ب يصلي أو ب قائم ، لأن أحدهما يلازم الآخر في المقام . وإنما اختلفت الجملتان في قوله تعالى : وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ ، فكانت الأولى فعليّة ، والثانية اسميّة ، لأن الكبر مترقّب الحدوث ، يحدث شيئا فشيئا ، فلم يكن وصفا لازما ، بخلاف الثانية ، فإن العقر وصف لازم ثابت ، ولذلك صارت الجملة اسميّة . وقوله تعالى : قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً يمكن إعرابه على وجهين : الأول : أن يكون المراد بالجعل التغيير ، فيتعدّى إلى مفعولين ، أحدهما ( آية ) والثاني ( لي ) . الثاني : أن يكون الجعل بمعنى الخلق والإيجاد ، فيتعدّى إلى مفعول واحد ، وهو ( آية ) ، ويكون ( لي ) في موضع النصب على الحال من ( آية ) ، وصفة النكرة إذا تقدّمت عليها أعربت حالا منها . بحث دلالي : يستفاد من الآيات الشريفة أمور : الأول : يدلّ قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً ، على أن الاصطفاء إنما يكون بإرادة من اللّه تعالى واختياره ، وليس للإنسان إرادة فيه ، فإنه جلّت عظمته أعلم حيث يجعل رسالته ، نعم إن للاصطفاء أسبابا كثيرة ، بعضها اختياري